إخوان الصفاء
212
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
فصل واعلم أيها الأخ أن الإنسان الغافل عن العبادة ، المنهمك في المعصية ، هو أخسّ من الحيوان ، وأخسّ من النبات ، وأخسّ من المعادن ، مردود إلى أسفل السافلين ، لأن الجواهر المعدنية قبلت الصورة وهو لم يقبلها ، والشجرة ساجدة وراكعة لربها وهو لا يسجد ، والحيوان طائع للإنسان وهو لا يطيع ربه ولا عرفه ولا وجده ، ونعوذ بالله من هذه الغفلة وهذا النسيان ونسأله التوبة والإقالة إنه وليّ الإحسان . فصل في معرفة أفعال العقل اعلم أيها الأخ أن العقل الفعال هو الإبداع الأول والخلق الأكمل ، وأنه فعل اللّه الذي فعله بذاته وأوجده بكلمته وقدرته ، الذي قدّر فيه وجوده الذي جاد به ، ويحقق هذا البرهان أن الراد علينا فيما ذكرنا لا يمكنه جحود ما أوردناه ، ولا خلاف عنده فيما وصفناه ، وإلّا كان ردّا للعيان . ونعود فنقول إن للعقل فعلا يختص به ، ولا ينفرد عنه ، ولا ينفصل منه ، قريب بحيث هو . ولما كان العقل لا يعدم جود باريه بل واجد له ، يجب أن يكون بحيث القرب منه تعالى مرتبا في قبضته وإحاطته واتصال أمره به ، كذلك يجب أن يكون الإبداع الثاني المنبعث عنه البادي منه المتوجّه بالشوق إليه منه بدأ وإليه يعود ، فهو بالقرب منه بحيث التوجه بالشوق إليه والاستفادة منه والأخذ عنه ما يكون له صورة القيام ، وهي النفس الكلية المرتّبة في قبضته ، وهو المفيض عليها الفضائل الموجودة في جوهرها ، وبما تتلقى منه يكون تمامها وسعادتها ، وبما تلاحظ في ذاتها العالية عليها المحيطة بها ، وبتأملها بدقة تأمّل